صندوق بريد (1)
ألتقط من صندوق بريدي هذه الرسالة. تعارضني صاحبتها فيما كتبت من قبل، وتقول: كيف لا نحب الشخص لذاته؟ أليست صفاته هي من تجعلنا نحبه؟ ثم إنك قلت: يجب أن نختبر مشاعرنا. كيف لنا بذلك؟ كيف نختبر مشاعرنا؟
سأرد السؤال بسؤال: كيف يقع أحدنا في الحب؟
يحدث ذلك بألف طريقة؛ من الطريقة التقليدية، حيث زواج الصالونات، إلى المصادفة في لقاء ما، إلى علاقة جيران، أو زمالة، أو صداقة، أو قرابة. تتطور هذه العلاقة فتصبح حبًا. الحقيقة أن هناك ألف طريقة لأن يقع المرء في حب حبيبه، لكن السؤال: لماذا وقعنا في حب أحدهم؟ لماذا هذا بالذات؟
ظني أن لا إجابة عن هذا السؤال. صدقًا، لا يعرف محب لماذا وقع في حب حبيبه، ولو سألت أحدهم سيتعثر في الإجابة، ثم يبدأ في سرد صفات إيجابية: أخلاقه، طموحه، تدينه، مركزه الاجتماعي، إلى آخره. لكن الحقيقة أن هذه الصفات كلها توجد في ألف شخص آخر؛ فهل تحب هؤلاء الألف؟ هل تحب كل متدين، أو كل صاحب خلق، أو كل طموح، أو كل مغامر؟
طبعًا، كل صفة إيجابية تعزز الاختيار، لكن الأمر انجذاب روحي صرف، وكل الصفات الأخرى عوامل مساعدة. أنت تحبين فلانًا لذاته، وأنت تحب فلانة لذاتها. إنه التقاء أرواح، وكفى.
السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن لنا أن نتأكد أن ما نكنه للآخر هو حب حقيقي؟ كيف لنا أن نختبر مشاعرنا؟
المسألة طبعًا ليست كيميائية؛ أضف هذا إلى ذاك، فتصاعد أبخرة لونها كذا، فتعرف النتيجة. ولكنه سلوك متعدد حتى تصل إلى النتيجة. مثلًا: ابتعد عنه فترة، ابتعادًا حقيقيًا. أطلق مخيلتك لتتصور أن هذا الشخص هو من ستراه كل صباح في الأعوام الخمسين أو الستين المقبلة. تذكر أنه أو أنها سيكون أبا أبنائك أو أم أبنائك.
عدد صفاته السلبية: هل تتحملها؟ هل أنت قادر على التعايش معها؟ ثم اسأل نفسك، أو اسألي نفسك، ألف سؤال: هل العلاقة بينكما مصدر للسعادة، أم أنها تسبب لك إرهاقًا نفسيًا؟ هل ما تكنه للآخر شعور بالحب، أم شعور بالإعجاب؟ هل تحب أن تنصت له كثيرًا؟ هل تحب أن تسمعه؟ هل ترغب في أن يتكلم فلا يتوقف؟ هل أنت قادر على تقديم تنازلات في سبيل إرضائه؟ هل تتعامل مع الطرف الآخر بعفوية، أم أنك تصطنع شخصية أخرى؟ هل لكما تصور مشترك عن حياتكما بعد الزواج والأولاد؟
أحيانًا يكون الواحد منا في حاجة لمن يمنحه الحنان، أو المديح، أو أي مشاعر أخرى، فنقع فيما نتصور أنه حب لمن يمنحنا هذه المشاعر. فإذا انتهى دوره، انتهت مشاعرنا نحوه.
أنا أؤمن بحدس القلب، وبتوقعاته، وبقراره؛ لكن المهم أن يكون القلب حرًا، حتى لا يكون قراره وليد ضغوط ما.

أتفق في أن الحب تلاقي ارواح . قال صل الله عليه وسلم . الأرواح جنود مُجندة ما تعارف منها إئتلف وما تنافر منها إختلف .