حكايات الحرب (1) معقل الساموراي الأخير
في الحروب لا تنتهي القصص عندما يصمت الرصاص.
بعضها يستمر في مكان ما، في غابة بعيدة، في عقل جندي لم تصله الأخبار بعد.
تخيل جنديا يؤدي واجبه كما أمر. يقاتل، يختبئ، ينتظر التعليمات.
ثم فجأة تنقطع الصلة بقيادته.
لا رسائل.
لا أوامر.
لا أخبار.
فقط الغابة والصمت.
ماذا يفعل؟
هل يستسلم؟
لكن ماذا لو كان قد أقسم ألا يستسلم أبدا؟
وماذا لو استمر هذا الصمت ثلاثين عاما؟
هذه ليست حكاية متخيلة، بل حكاية وقعت بالفعل لجندي ياباني اسمه هيرو أونودا.
--------
عندما اقتربت الحرب العالمية الثانية من نهايتها كانت ألمانيا قد استسلمت، لكن اليابان لم تفعل. كان الجيش الياباني يعيش على روح قديمة ورثها من مقاتلي الساموراي، روح ترى أن الاستسلام عار أسوأ من الموت.
ولهذا ظهرت هجمات الكاميكازي.
كان الطيارون اليابانيون يقودون طائراتهم المحملة بالمتفجرات ليصطدموا عمدا بسفن الحلفاء. كانت محاولة يائسة لقلب مصير الحرب. فقدت اليابان آلاف الطيارين، وخسر الحلفاء آلاف المقاتلين أيضا.
لكن الحرب كانت تقترب من نهايتها.
في السادس من أغسطس عام 1945 أسقطت الولايات المتحدة قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما. في لحظات اختفى عشرات الآلاف من البشر. وبعد أيام قليلة أسقطت قنبلة ثانية على ناغازاكي.
عندها لم يعد أمام اليابان خيار.
في الخامس عشر من أغسطس تحدث إمبراطور اليابان عبر الإذاعة للمرة الأولى في تاريخ البلاد، معلنا قبول السلام. لم يستخدم كلمة الاستسلام صراحة، لكنه كان يعنيها.
انتهت الحرب.
أو هكذا بدا الأمر.
------------
في جزيرة صغيرة تدعى لوبانغ في الفلبين كان هناك أربعة جنود يابانيين مختبئين في الغابة.
كان قائدهم الملازم هيرو أونودا.
قبل أشهر من نهاية الحرب كان قد تلقى أوامر واضحة:لا تستسلم أبدا.
ولهذا عندما بدأت الطائرات تسقط منشورات تخبرهم بأن الحرب انتهت، اعتبر أونودا الأمر خدعة من العدو.
اختبأ الرجال في الأدغال. كانوا يعيشون على الموز وجوز الهند. وأحيانا يتسللون ليلا إلى القرى القريبة لسرقة الأرز أو قتل بقرة شاردة. كانوا يشربون ماء الينابيع بعد غليه، ويرقعون ملابسهم العسكرية الممزقة بإبرة صنعوها من أسلاك صدئة.
كانت الحياة قاسية.
لكنهم كانوا يعتقدون أنهم ما زالوا في الحرب.
مرت السنوات.
في عام 1950 استسلم أحد الجنود. بقي ثلاثة.
بعد ثلاث سنوات قتل أحدهم برصاص الشرطة الفلبينية. بقي اثنان.
ثم مرت سنوات أخرى طويلة حتى قتل الجندي الثالث.
وبقي أونودا وحده في الغابة.
سنوات طويلة وهو يعتقد أن الحرب لم تنته بعد.
--------
في بداية السبعينيات سمع شاب ياباني رحالة يدعى نوريو سوزوكي قصة الجندي الذي لم يستسلم. قرر أن يذهب إلى الجزيرة وحده ليبحث عنه.
قال قبل رحلته إنه يريد أن يجد ثلاثة أشياء في حياته: أونودا، ودب الباندا البري، ورجل الثلج في جبال الهملايا.
وصل إلى الجزيرة وبدأ البحث.
بعد أربعة أيام لمح رجلا يرتدي زيا عسكريا قديما ممزقا ويحمل بندقية قديمة ويتحرك بحذر شديد.
كان ذلك هو أونودا.
رفع الجندي بندقيته نحو الرجل الغريب.
لكن الشاب صرخ باليابانية قائلا: سيد أونودا، الإمبراطور والشعب قلقون عليك.
تردد أونودا قليلا، ثم قال بهدوء صارم: أنا جندي، ولن ينهيني من مهمتي إلا أمر مباشر من قائدي.
استجابت الحكومة اليابانية لهذا الشرط.
عثرت على قائده القديم، الذي كان قد عاد إلى الحياة المدنية وفتح متجرا صغيرا لبيع الكتب.
في التاسع من مارس عام 1974 وصل الرجل إلى جزيرة لوبانغ.
وقف القائد أمام جنديه بعد ثلاثين عاما من آخر لقاء بينهما.
قرأ عليه الأمر العسكري بوقف جميع العمليات القتالية.
عندها فقط انتهت الحرب بالنسبة لأونودا.
سلم سيفه وبندقيته وخمسمئة طلقة من الذخيرة وعدة قنابل يدوية. كان لا يزال يحتفظ أيضا بخنجر أعطته له أمه قبل الحرب ليقتل نفسه إذا وقع في الأسر.
عاد أونودا إلى اليابان.
استقبل استقبال الأبطال. لكن اليابان التي عاد إليها لم تكن اليابان التي غادرها. كان يشعر أن القيم التي عاش من أجلها قد تغيرت.
بعد سنوات غادر إلى البرازيل ليعمل في تربية الماشية. ثم عاد لاحقا إلى بلاده ليؤسس مدرسة للشباب يعلمهم فيها ما كان يسميه روح اليابان القديمة.
وفي السادس عشر من يناير عام 2014 توفي الملازم أونودا في طوكيو.
وعندما أعلنت الحكومة اليابانية وفاته قال المتحدث باسمها جملة لافتة:
لقد تأكدت أن الحرب انتهت فعلا عندما عاد السيد أونودا إلى اليابان.
--------
تنتهي هذه الحكاية هنا.
لكنها تترك سؤالا:
كم حربا في حياتنا انتهت فعلا، بينما ما زال بعضنا يقاتلها وحده في الغابة؟
أسعد طه

مقال رائع . وحدنا نخوض العديد من الحروب الان . لكن ليست تقليدية بأسلحة وذخيرة . هناك حرب بشعة علي القيم والاخلاق . وحتي الحروب التي تُدار بالاسلحة اُختبرت مروءة الاخ ووفاء الصديق . هُزمنا فيها هزيمة منكرة.لله الامر من قبل ومن بعد